وهبة الزحيلي
13
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
وأجمعت عليه الأمة إلا من شذّ ، وأجمع العلماء على أن القبلة أول ما نسخ من القرآن ، وأنها في أحد القولين الآتيين نسخت مرتين . ودلّت أيضا على جواز نسخ السّنة بالقرآن الكريم ، لأنّ النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم صلّى نحو بيت المقدس ، وليس في ذلك قرآن ، فلم يكن الحكم إلا من جهة السّنة ، ثمّ نسخ ذلك بالقرآن ، وعلى هذا يكون : كُنْتَ عَلَيْها بمعنى أنت عليها . واختلف العلماء حين فرضت الصلاة أولا بمكة ، هل كانت إلى بيت المقدس أو إلى مكة ، على قولين : فقال ابن عباس : إلى بيت المقدس ، وبالمدينة سبعة عشر شهرا ، ثم صرفه اللّه تعالى إلى الكعبة . وقال آخرون : أول ما افترضت الصلاة على النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم إلى الكعبة ، ولم يزل يصلّي إليها طوال مقامه بمكة ، على ما كانت عليه صلاة إبراهيم وإسماعيل ، فلما قدم المدينة ، صلّى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا ، على الخلاف ، ثم صرفه اللّه إلى الكعبة . قال ابن عبد البر : وهذا أصح القولين عندي . والسبب أنّ النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم لما قدم المدينة أراد أن يستألف اليهود ، فتوجه إلى قبلتهم ، ليكون ذلك أدعى لهم ، فلما تبيّن عنادهم وأيس منهم ، أحبّ أن يحوّل إلى الكعبة ، فكان ينظر إلى السماء ، وكانت محبته إلى الكعبة ، لأنها قبلة إبراهيم عليه السّلام . و قد روى الأئمة - واللفظ لمالك - عن ابن عمر كيف تمّ التحويل ، قال : بينما الناس بقباء « 1 » في صلاة الصبح ، إذ جاءهم آت ، فقال : رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قد
--> ( 1 ) قباء : قرية على ميلين من المدينة على يسار القاصد إلى مكة ، بها أثر بنيان كثير ، وفيها مسجد التقوى .